بقلم : مناهل عابدين
تعتبر الثقافة مصدراً مهماً من مصادر تحقيق الأمن والاستقرار، وذلك لأنّ عناصر ثقافة الأمّة تمثل الجوامع المشتركة بين الناس، وهذه الجوامع مصدر التلاحم والتماسك داخل المجتمع في العادة، ومتى ازداد التلاحم والتماسك في المجتمع ازدادت حصانة المجتمع وقدرته على الصمود أمام التحدّيات والأخطار والأزمات التي يتعرض لها. ومتى ازدادت الحصانة والمنعة تحقّق الأمن الاستقرار وتعتبر للثقافة سلطة بالغة التأثير تتمثل في ما تفرضه على الناس أفراداً وجماعات من خلال أطرها المختلفة: اللغة والقيم والمبادئ والتراث والعقيدة والفنون وطقوس مكتسبة ومنتجة والعادات والتقاليد والأعراف والسمات الروحية والماديّة والخصائص العقلية الجماعية وغير ذلك، وهذه السلطات تطلق تأثيرها من داخل المرء وبطريقة تلقائية لا واعية وتوجّه سلوكه ومواقفه وأفعاله وأقواله، من غير أن يشعر بتأثيرها إلاّ بعد أن تكون فقد فعلت فعلها فيه، وهذه المؤثرات الثقافية تجد قبولاً ورضا من المرء أكثر من أي مؤثرات خارجية أخرى ونجد أنّ الأعمال الثقافية من شعر وقصة ومسرح ودراما وسينما والطرب والموسيقى والرسم ونحت وتصوير وغيرها من أشكال العمل الثقافي، لها قدرة بالغة على إحداث التغيير في وعي الناس ووجدانهم وسلوكهم وأن الثقافة تمتلك طاقة كبيرة جداً وعظيمة عن استفزازها أو حفزها وكما تعمل على إسناد الشعوب عند تعرّضها للمحن والشدائد، لأنها تبث فيهم روح الصبر والصمود والمقاومة والمواجهة والتحدّي، وتجعلهم يستمدون من أعماقها ما يعزّز صمودهم ويشحنهم بالأمل بالمستقبل والثقة بالنفس
التنوع الثقافي سمة مميزة للبشرية في السودان ، ويشكل تراثاً مشتركاً، ينبغي إعزازه والمحافظة عليه لفائدة الجميع، ويخلق عالماً غنياً ومتنوعاً يتسع فيه نطاق الخيارات المتاحة وتتعزز فيه الطاقات البشرية والقيم الإنسانية، وأنه يشكل من ثم ركيزة أساسية للتنمية المستدامة للمجتمعات والشعوب والأمم والسودان يوصف دائماً ويصوَّر على أنه صورة مصغرة لإفريقيا، ذلك لأنه يضم جل مناخاتها وأعراقها ولغاتها مما أوجد ثقافات متعددة تمتد جذورها إلى ما قبل التاريخ في العصر الحجري القديم والوسيط والحديث ، شمل حضارة كرمة ثم أعقبتها نبتة ومروي، ثم الممالك المسيحية المقرة وعلوة ونوباتيا وغيرها من الثقافات التي تعبر عنها الاثار السودانية المنتشرة والممتدة بكل ولايات السودان وجلها لها جذورها العربية والافريقية واذكر كلمة لأستاذنا عون الشريف قاسم، قال فيها ( إذا نظرنا إلى اللغة العامية كشريط أفقي يمر عبر الزمن لوجدنا كل التيارات الثقافية مطبوعة على هذا الشريط في عملية أسماها عملية التخصيب الثقافي المتقاطع)
ولكن رغم هذا التاريخ الناصع والمحفز الا إن البنية الثقافية السودانية تعاني واقعًا متهالكًا ومتداعيًا. ولو أخذنا نموذجًا المشهد المسرحي في البلاد، فسنجد أن هناك عشرات المباني التي تسمى مسارح، وهي إما في طور التشييد من دون إكمال ولسنوات طويلة -مسرح خضر بشير مثلًا- أو هي في حالة لا تتناسب مع العروض المسرحية؛ لتداعي مبانيها وعدم ملاءمتها، ناهيك عن تخلفها الكبير عن التطور الذي تشهده الحركة المسرحية في المحيط الإقليمي أو في العالم أجمع. أما حال المسرحيين الدراميين أنفسهم، فواقعهم يحيل إلى حالة من التشظي والبؤس، فلا جهة تتبنى خطابهم، كما لا توجد مؤسسة رسمية أو خاصة تتبنى مشروعاتهم أو أعمالهم، وزاد الحال سوءًا مع الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المتدهورة والأمر نفسه ينطبق على السينما، فالبلاد تكاد تكون خالية تمامًا الآن من دور العرض السينمائي، التي تحولت إلى مبانٍ مهجورة، أو إلى دور أنشطة تجارية أخرى لا علاقة لها بالعمل السينمائي. السينمائيون، على الرغم من النشاط السينمائي الملحوظ -وهو حالة خاصة متعلقة بشروط أخرى لا علاقة لها بالدولة- كانوا يأملون على الأقل في إعادة إحياء مؤسسة الدولة للسينما، وهي المؤسسة الرسمية التي كانت ترعى الإنتاج السينمائي، وتشرف على دور العرض السينمائية المنتشرة في جميع أنحاء البلاد وهكذا يمكننا رصد واقع الكُتاب، وما يواجهونه من معاناة في النشر والعمل والترويج لما ينتجون، والفن التشكيلي الذي يفتقد رواده إلى صالات عرض تُقدر ما ينتج من فن رفيع
ويمكن القول أن السودان لم يستفيد من امكانياته الثقافية الواسعة والممتدة في تغيير سلوك الناس ولم يحاول القائمون على امره تطوير فنونها المختلفة فقد قابل الكثيرين مسلسل ستموت في العشرين بشئ من الاستهجان وعدم الرضاء لانه عكس ثقافة سودانية متحضرة فقد (قبر) المبدعين السودانيين في مجال المسرح والدراما والتمثيل الفن السوداني في (سكين ضراع) وعصاة وبيوت من القش والطين و(تكشيرة الوش) على المبدعين المواكبة ومحاولة نقل المجتمع الى التحضر فقد تغيرت القرى والارياف في الواقع وبقت على الشاشة ترسخ لمفهوم السودان لايزال متخلف
المصدر: الهبباي الاخباري
