حينما اطلع المثقفون بدورهم الكامل في قيادة الثورة الفرنسية استطاعت تلك أن تخرج أوربا بأكملها من ظلاميتها و وهدتها الكبيرة إلى رحاب النور و الحضارة و التقدم ، يتساءل الكثيرون هنا عن سر الفشل الكبير الذي لازم ثورات الربيع العربي في عدد من البلدان التي شهدت انتفاضات شعبية ضد ديكتاتوريات عمرت طويلا و انتهى الأمر بالوقوع في مأزق ديكتاتوريات جديدة ربما لا تقل عن سابقاتها ،و بالطبع فإن شواهد الحال تنبىء بذلك بصورة جلية ، و لعل الإجابة الأكثر منطقية تكمن في إنزواء المثقف و اختياره مقعد الفرجة و المراقبة فقط ليجد أصحاب الايديلوجيات و العسكر الساحة خالية من اي منافس آخر و مما يؤسف له أن الغلبة دائما ما تأتي للعسكر في نهاية المطاف ، فوباء الاختلاف لأجل الاختلاف الذي يسيطر على كثير من المنظومات و الأنظمة السياسية العربية هو ما يتيح للعسكر امتياز القبول كلما أخضع الناس المعادلة لمنطق درء المفاسد و اتقاء المكاره ، شهدنا فشل الثورة في ليبيا و مصر و تونس لأننا لم نجد مثقفا واحدا أنبرى لعمل غير التنظير و التحليل ، و فيما يبدو أن أقصى عبقريات المثقف العربي هي إجادة القراءة و التحليل بدرجة إمتياز، أما العمل فهو ملعب يخص الساسة و العسكر فقط ، و إلا فكيف نفسر توالي سلطة ثنائية (السياسي و العسكري ) على مر الأزمان و التجارب ، في سوداننا هنا و منذ الاستقلال لم يمن الله علينا بسلطة تؤول في خاتمة أمرها للمثقفين اذ أن و منذ المهدية الأولى ظل المشهد السياسي رهينة لثنائية (المؤدلج و المتعسكر) فما بين سلطة رجل الدين و (بوت العسكر) ظلت بلادنا تبكي ديمقراطيتها المؤودة عمرا مديدا ، اليوم المتأمل للميدان الثوري يلحظ غيابا كبيرا للمثقفين اللهم إلا من بعض الهتيفة من (هواة الشو )و الأضواء البراقة ، أما الذين يستحقون أن نسميهم مثقفين حقيقيين فقد اختاروا أن يتلصصوا المشهد عبر النافذة و كأن الأمر في مخيلتهم يبدو كمشهد لتمثيلية عبثية في مسرح يوناني قديم ، و ما بين تشاكس (قوى الاجهاز الحديثة ) و (جنرالات ما بعد السقوط) تبدو الثورة تبكي حلمها الغائب حين تطالع دفتر يومياتها فلا تلمس توقيعا واحدا لمثقف حقيقي ، نواصل.
